تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

أتحدث هذا الأسبوع والأسابيع المقبلة عن الأمن الداخلي في مصر
أتحدث هذا الأسبوع والأسابيع المقبلة عن الأمن الداخلي في مصر، هو من الموضوعات الهامة التي تشغل بال الإنسان المصري، فالأمن ضرورة للطمأنينة العامة وطمأنينة الفرد على حياته، وسلامته، وعرضه، وماله، وكرامته، وهو ضرورة للإنتاج وللتقدم وللازدهار.

ولا يتحقق الأمن بالقوات الخاصة عالية التدريب، والمكونة من أفضل عناصر الأمن من ضباط وجنود، والمسلحة بأحدث وسائل الحماية، والمستقلة للسيارات الجيب التي يصل ثمن الواحدة منها إلى المليوني جنيه مصري -مثل المرسيدس والتويوتا-، هذه الفرق للحراسة تتولى طوال ساعات اليوم والليل في ثلاث ورديات حماية وزير الداخلية ورجاله، وأغلب الوزراء والمسؤولين، وبعض الصحفيين والكتاب، وبعض الفنانين، وبعض رجال القضاء السابقين والحاليين.


إن حراسة هؤلاء الأشخاص تقتصر على حمايتهم دون غيرهم، وأمن هؤلاء ليس أعز على مصر من أمن باقي المواطنين، ومنهم ضباط الشرطة غير المحظوظين الذين يواجهون النار بصدورهم، ويتصدون للعنف وللجريمة بكل صورها، دون أن تتوفر لهم الحماية التي تتمتع بها الفئة المحظوظة.


ولا يتحقق الأمن بتوجيه القوات المكثفة إلى الصعيد، وتكثيف الجهد والاهتمام في اتجاه التيار المتطرف الدموي وحده؛ لأن ذلك يترتب عليه صرف الانتباه عن الجرائم الدموية، وأعمال العنف الأخرى التي تقع للانتقام ،أو لارتكاب جرائم القتل، أو الضرب لحساب الغير، أو للسرقة بالإكراه مع استعمال الأسلحة المختلفة، فهذه الجرائم أهم وأخطر من جرائم العنف السياسي، فهذه الأخيرة محدودة في مكانها وفي عددها وفي مداها، أما الجرائم العادية فهي تقع كل ساعة وكل دقيقة وفي كل مكان، ولأسباب لا نهائية، وضحاياها من الكافة وأحيانًا بغير تحديد.


وكثرة القوات لمواجهة العنف السياسي تكون بغير جدوى؛ لأن العنف السياسي يعتمد على أسلوب حرب العصابات، وهو الذي يلجأ إلى المفاجأة وإلى المباغتة بعدد قليل من الأفراد يختفون فور أداء مهمتهم، وبالتالي لا نكون أمام قوات تستخدم أسلحة ثقيلة وحديثة فيكون من اللازم مواجهتها بقوات كبيرة، وهكذا تكون كثرة القوات للأثر النفسي فقط.

وإن هي تحركت واشتبكت فإنها ستضرب عشوائيًّا، ويكون ضحاياها ممن لا صلة لهم بالإرهاب السياسي، ومن هنا تبدأ حلقة الثأر بين الشرطة وبين الأهالي وهو ما حدث بالفعل في كثير من الأحيان.


وأحيانًا يتم الإعلان عن اكتشاف تنظيم سياسي دموي ويتم القبض على عدد من الأشخاص، ويكون ذلك لإقناع القيادة السياسية بخطورة الموقف، وبأن وزارة الداخلية ساهرة لتحقيق الأمن والاستقرار للنظام السياسي وللحكام.
ولم يستطع وزير الداخلية أن يدرك أن الأمن السياسي لا يتحقق فقط بالعنف، وبالاعتقال، وبالتعذيب، وبالتصفية الجسدية العشوائية بغير تحقيق أو محاكمة.


فهذا العنف قد يحدث رهبة لدى جماعات العنف السياسي، وقد تلجأ إلى الكمون وإلى التخفي، ولكن ذلك يكون مؤقتًا ولا يلبث أن ينشط ويتحرك في اتجاه أكثر عنفًا.


الأمن السياسي يحتاج إلى خط سياسي إلى جانب اليقظة والمواجهة الأمنية، فالعنف السياسي لا ينتهي إلا بتصفية دوافعه وأسبابه، وذلك يكون بالحوار ومحاولة الإقناع والاستيعاب والاحتضان، وهذا الحوار لا يعني المهادنة، أو الاسترخاء، أو الثقة غير المبررة، فيمكن أن يسير الحوار مع الحذر ومع الردع ومع التصدي للعنف بكل الإمكانيات، ومن هنا كان خطأ وزير الداخلية عندما نظر بتعال وكبرياء إلى عرض قيادات تيار العنف فالتعالي والكبرياء يكون ؟؟؟؟

ولا يتحقق الأمن أيضًا بنشر الشباك الصغيرة التي تقع فيها الأسماك الصغيرة و«البساريا»، ثم في طي الشباك الكبيرة أو تمزيقها حيث لا تقع فيها الحيتان والقروش، فيتم القبض والتحقيق مع موظف الحي الذي ارتشى بألفي جنيه وموظف البنك الذي اختلس بضعة آلاف، ثم لا يقترب أحد من مغترفي الملايين ومئات الملايين من تجار النفوذ، وسارقي أموال البنوك، ومحصلي العمولات...
وللحديث بقية.


د. نعمـــان جمعــــة

صور مقالات د.نعمان جمعة جريدة الوفد"نبضات"من الفترة 1984 إلي 2000