تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

السياسة الخارجية لأي دولة تخضع لاعتباري المبادئ والمصالح.
السياسة الخارجية لأي دولة تخضع لاعتباري المبادئ والمصالح، وأحد الاعتبارين لا يغني عن الأخر؛ لأن المصالح ضرورات والمبادئ حصن وسياج، وقد يكون التمسك بالمبادئ بالنسبة للدول الصغرى أكثر أهمية من أهميتها بالنسبة للدول الكبرى الغنية؛ لأن استدراج الدول الصغرى للبحث عن المصالح على حساب المبادئ فيه قضاء على مقومات الأمم الناهضة، وفيه قضاء على الشموخ وعلى الكبرياء الوطني، والمواطن لا يخلص، ولا يدافع، ولا ينتج إلا في وطن يعتز به ويتشرف بالوقوف تحت رايته.

وقد مرت مصرت بعديد من المراحل التي تذبذب فيها التوازن بين المصالح وبين المبادئ، ففي ظل الاحتلال الإنجليزي كانت مشاكلنا الاقتصادية بسيطة ومحدودة، وكان المبدأ المسيطر على فكر الأمة وعلى القوى السياسية بها هو استقلال الوطن، والإرادة الوطنية، وعدم الخضوع لأي قوى دولية عالمية أو إقليمية.


وفي عهد عبد الناصر تراجعت مصلحة الشعب في حياة أفضل، وفي التنمية الاقتصادية أمام أحلام وأفكار عبد الناصر في القومية العربية ووحدة التراب العربي من المحيط إلى الخليج، وكذلك فكرة عدم الانحياز، ثم الانفتاح على المعسكر الشرقي وتنويع مصادر السلاح.


وكان الثمن هو القطيعة مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وكان الحصار الاقتصادي الواقع من جانب الغرب، وكان تدعيم إسرائيل وتكليفها بمهمة العدوان على مصر عامي   1956 و1967، وقبل ذلك كانت مصيدة حرب اليمن والتدخل في لبنان وفي العراق.

وكان هذا الاستنزاف هو الرد القاسي على تمسك عبد الناصر بمبادئه وأفكاره.
وعندما تولى السادات الحكم كان قد ضاق بالاتحاد السوفيتي وبتصرفات بعض الحكام العرب، وكان يحلم بمصر الغنية.
فأقدم على حرب سنة 1973، ثم على زيارة القدس، ثم على كامب ديفيد، وفي هذه الأثناء تحسنت علاقاته بالغرب وبأمريكا.


لقد قرر السادات أن يتخلى عن المبادئ من أجل مصلحة مصر والشعب المصري، وبدأ يهتم بالبنية الأساسية، وباستصلاح الأراضي، وبحرية التجارة، ومن أجل ذلك كان يحتاج إلى المال وقد وجده عند الغرب في صورة مساعدات وفي صورة قروض.


وكان الحليف والصديق الأكبر هو الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تتردد أمريكا في إعطاء القروض والمساعدات، وسار الغرب وراءها.

ولكن أمريكا تساعد بثمن باهظ فهي حين تعطي تحرص على السيطرة بل على الاستعباد، وهكذا تضيع كرامة الأمم وتنهار إرادتها، فمنْ يمد يده لا يمد قدمه.
والبديل للاعتماد على القروض والمساعدات هو الاعتماد على الذات، وذلك بوقف البذخ والإسراف، وضغط الإنفاق العام والخاص، وإطلاق كل الطاقات الوطنية من أجل التنمية وزيادة الإنتاج.

لم يتمكن نظام الحكم في مصر من الاعتماد على الذات أو السيطرة على الذات، فكان الثمن هو ضعف الإرادة المصرية أمام أمريكا وأمام صندوق النقد والبنك الدولي.
فالخط المصري الخارجي ضعيف، وباهت، ومتلعثم، ومتردد، ومتضارب، ويقف دوره عند الوساطة والتلطيف، وأداء المهمات التي تطلبها أمريكا.

يتضح كل ذلك جلية في سياستنا في مواجهة أحداث الخليج، وفي مشكلة اليمن، وفي المؤامرات التي تحاك ضد وحدة أراضي السودان، وفي مواجهة الصراع الدائر بين الصرب والمسلمين في البوسنة.
مصر في حاجة إلى تدعيم اقتصادها لكي تستقل إرادتها، ولكي يكون لها دورها العربي والدولي المرموق.


د. نعمـــان جمعــــة.

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000