الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

موضوع الساعة هو خصخصة البنوك وشركات التأمين الحكومية
موضوع الساعة هو خصخصة البنوك وشركات التأمين الحكومية، باعتبارهما أضخم أدوات تجميع المدخرات وتمويل الاستثمار، وباعتبار وحداتها تقدر كل منها بعشرات المليارات، وبيع أي منها بأقل من قيمتها يعتبر عدوانًا وتبديدًا لجزء هام من الثروة القومية.

والعبث بالثروة القومية أي بمال الشعب أمر لا يغتفر، ولا يمكن التسامح فيه؛ لأن أفراد الشعب يقاسون منه اليوم أو غدًا، فقد يمكن إخفاء الحقائق لبعض الوقت ولكن لا يلبث الواقع أن يقفز إلى السطح؛ لأن مظهر القوة الاقتصادية والنماء إن كان كاذبًا سرعان ما يتمزق الغلاف، وينكشف السوس، وتظر رائحة العفن حيث يكون الإطار بغير مضمون.

الفراغ السياسي والخلل السياسي والإداري يمكن مواجهته لبعض الوقت بالقرارات العلوية، وبالقمع البوليسي، وبالدجل السياسي، أما إن تعلق الأمر بالخلل وبالانهيار الاقتصادي فلن تجدي معه القرارات ولا القهر ولا الدجل؛ لأنها ستكون ثورة الجياع، و«الجوع كافر» وخصوصًا مع توزع الناس بين جياع معدمين، وبين أمراء المماليك الرافلين في الحرير والمتدثرين بمليارات الدولارات.

المثير للقلق وللاستفزاز هي تصريحات فارسي الخصخصة وهما الدكتور عاطف عبيد والدكتور يوسف بطرس غالي، فكل يوم نقرأ لهما أنه لا خوف من مشاركة الأجانب في ملكية البنوك. وأن رقابة البنك المركزي كفيلة بمنع الخطر، وأن جهاز المحاسبات سيشترك في التقييم، وأن بنكي مصر والقاهرة من إنشاء رأس المال الخاص، وأن الخصخصة ستبدأ ببنك صغير...إلخ إلخ إلخ.

المخيف أن أقوالهما تبدو وكأنها قانون سيفرض علينا تقرير واقع، وتظهر أفكارهما وكأنها قانون سيفرض علينا، ومعنى ذلك أنهما يتحدثان في أمورهما الخاصة، وبالتالي فعلى الجميع أن يجلس في مقاعد المتفرجين ويلتزم الصمت حتى ينتهي عرض الرواية.

أقول لهما ولكل فرسان الخصخصة العشوائية قفوا مكانكم ولا تتقدموا خطوة واحدة، واطرحوا على الشعب كل ما تكتمونه من أفكار ومن نوايا، واعرضوا عليه كل ما لديكم من دراسات وتقارير، فمصر بلدنا، وهذه أموالنا، وخرابها يصيبنا، وإفلاسها يجفف ماء الحياة في عروقنا. ولعله من المفيد إجراء التفرقة بين عديد من الأمور.

تفرق بين مشروع مستجد يُصرح للقطاع الخاص بإقامته، وبين مشروع قائم ومملوك للدولة ويُطلب بيعه للقطاع الخاص، فلا مشكلة ولا اعتراض من أحد على إطلاق حرية القطاع الخاص في إنشاء المشروعات الجديدة، بل يجب إعطاء التسهيلات، ورفع العوائق، وكف أذى الجهاز الإداري، وملاحقة ومداهمة العصابات التي تفرض الإتاوات.

أما عن الوحدات المملوكة للدولة والمطلوب بيعها فيلزم لها الشفافية الكاملة، ويلزم تقييمها بأمانة حتى لا تكون نهبًا للمحاسبين وللمحظوظين.

نفرق كذلك بين مشروعات متعثرة بسبب سوء الإدارة أو بسبب الانحراف ويصعب إصلاحها، وبين مشروعات تُدار إدارة خاصة ناجحة مثل الفنادق الكبرى. فالأولى نسرع في بيعها والثانية نتمهل ونضع الضوابط لخصخصتها.

نفرق كذلك بين وحدات اقتصادية بحتة ولا أهمية فيها إلا لكفاءة وقدر الإنتاج مثل: مصانع السكر، والنحاس، والأسمنت، والنسيج، وبين وحدات لها طابع قومي وتتصل باستقرار المجتمع وأمنه مثل: البنوك، وشركات التأمين، والمطارات...إلخ.
الأولى يمكن بيعها فورًا، والثانية نحتاج فيها إلى الروية، والتأني، والتزام الحيطة.

نفرق أيضًا بين التأميم والخصخصة. فالتأميم العشوائي المجحف ينقل ملكية المال إلى المجتمع، ومن ثمَّ يمكن تبرير الإجحاف في تقدير قيمته، أما الخصخصة فهي تُنقل مال الشعب إلى الأفراد، ومن هنا يحظر تمامًا الاستخفاف في التقييم؛ لأنه اختلاس للمال العام.

ونحذر من التلاعب ببيع حصة من المشروع العام وإبقاء الحصة الأخرى مملوكة للدولة؛ لأن المقصود هنا هو محاباة المحظوظين بنصيب من المشروع مع الإبقاء على تكية المال العام بما تتيحه من سرقات، وعمولات، وإتاوات، ومكافآت، وسيارات، وموظفين يساهمون في تزوير الانتخابات...إلخ إلخ إلخ.

نستجير بالرئيس مبارك وبالدكتور الجنزوري بأن تكون أموال البنوك الحكومية عبارة عن أسهم اسمية، ولا تباع إلا للمصريين، ولا يتملك شخص وأسرته وشركاته أكثر من 5% من أسهم أي بنك، ويصدر تشريع جنائي مقررًا عقوبة جنائية غليظة توقع على كل من يحاول الاحتكار أو السيطرة على هذه المشروعات.


د. نعمـــان جمعــــة

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000