الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

مصيبتنا الكبرى هي غياب العقل...وبديله هو المصالح والغرائز والأوهام
مصيبتنا الكبرى هي غياب العقل...وبديله هو المصالح والغرائز والأوهام، وبغيره يستحيل التقدم، ويستحيل تفادي الأخطار ومواجهة الأعداء.

الانتصار الدائم المتواصل للفرنجة وللصهيونية، والتقدم في جميع المجالات، وما حققوه من رفاهية...كل ذلك لاعتمادهم على العقل.

ولا يقصد بالعقل هنا عقل الحاكم الفرد وحده، يفكر ويقرر للناس بمعزل عنهم باعتباره الوصي الذي اختارته العناية الإلهية، فعقل مندوب العناية الإلهية متسلط، ومتفرد، ومتسيد، وعلى رعاياه أن يخضعوا وأن يعطلوا عقولهم ينتظروا الوحي من أعلى، فالحلول والقرارات تظل في دائرة مغلقة هي عقل الحاكم الفرد، وهو دائمًا يسعد بأنه يفاجئ رعاياه بالقرارات والحلول، وغالبًا ما تنتهي القرارات الفردية إلى كارثة.


أما العقل الذي أقصده فهو العقل الجماعي...أي تفكير المؤسسات التي تعتمد على مشاركة المتخصصين والمشاركين في العمل وفي المسئولية، العقول تفرز نتاجها في القنوات المعدة لذلك، وتتقابل الأفكار وتتصادم أو تتفق ثم تتبلور في حلول وقرارات اشترك فيها الجميع، ويكون الدور الأساسي للرئيس أو المسئول هو الترجيح وليس الخلق والإنشاء.


الأمم التي أفلحت يقوم فيها العقل بدور الكشاف المضيء، فالفكر يحدد الأهداف ويقسمها إلى أهداف قريبة، وأخرى متوسطة، وثالثة بعيدة، ثم هو يحدد الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، والتي تضمن حتمية الوصول إليها، ثم تتحرك الإمكانيات لإعداد الوسائل وتدبير غير المتوافر منها، وتتحدد كيفية تزاوج وتعاون الوسائل مع بعضها، وتتحدد كذلك دور وتوقيت وأسبقية وسيلة على أخرى، وتتحدد الأجهزة التي تعد هذه الوسائل وتقودها...وكل ذلك يسمى بالتخطيط فلا يترك شيء للصدفة، أو للعشوائية، أو للحظ.


أما عن البلاد المتخلفة ومنها أمتنا العربية...فالعقل معطل ومغيب، وهو منصرف إلى الخيال أو إلى المصالح والغرائز الوقتية، تقوم تصرفاتنا وقراراتنا على مجرد ردود الأفعال، فغيرنا يدبر ويبدأ ونحن نتحرك للرد.


فنجد أنفسنا في أرض قتال أعدها العدو، ونجد أنفسنا داخل الفخ وداخل المستنقع الذي رتبه العدو، وذلك لسبب بسيط هو أن خطة العدو تواجهها بلاهة وغوغائية وارتباك، وطبيعي أن ينجح التخطيط في احتواء البلاهة والارتباك.
العقل الذي ينتصر، وينجح، ويحرز التقدم هو العقل الذي يتحرر من الخوف، ومن المصلحة، ومن التبعية.
فلا ديمقراطية ولا تقدم في بلد يسوده فكر خائف أو طامع أو تابع.


العقل في حكم الفرد خائف؛ لأن الحاكم يملك السيف وبيده البطش، والناس تؤثر السلامة وعدم التعرض للاضطهاد أو للأذى، والخائف لا يفكر ولا يبدع، وإنما هو يحصر جهده الذهني في قول ما يُرضي الحاكم، أو على أحسن تقدير يلتزم الصمت.


أما عن العقل الطامع...فهو أسير المصالح والغرائز والشهوات، ولذلك فهو لا يعمل أبدًا لمصلحة الوطن أو لوجه الله، هو يمسك بالربابة وينشد للمعز طالما كان عنده ذهب، وهو يعطي ظهره لمنْ نضب ماله، ويتجه بلا حياء لمنْ فتح له الخزائن.
ويبقى بعد ذلك العقل التابع...وهو نمط تقليدي في النظام الفرعوني، فالناس تنظر إلى إعلان وتبحث عن فكر ورأي الحاكم، فتعتنقه بغير بصيرة أو تفكير، ثم تبرره، ثم تدافع عنه بكل ما تملك من قوة، وهكذا تضيع وتنكسر الأمم.
ولك الله يا أمة العرب...ولك الله يا مصر.


د. نعمـــان جمعــــة.

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد،"نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000