الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

توشـكى..وما أدراك ما توشـكى..إنها صيـحة الـعصــر

توشكى...وما أدراك ما توشكى...إنها صيحة العصر الحديث، وهي الدواء الناجح لكل الأدواء، وهي البركة التي ستحل بكل البؤساء من أبناء مصر، فإن ذهبت إلى هناك ................ لقد بدأ عزف السيمفونية، وليس للأصوات النشاز أن تفسد جمال الموسيقى العذبة الشجية.

لم يستوعب حزب الوفد وصحيفته هذه المعاني فسمح لنفسه بمناقشة مشروع القرن الحادي والعشرين وأمل المستقبل، لقد تهور الوفد وصحيفته وتحدث عن العقبات، وعن النفقات، وعن الجدوى الاقتصادية، وعن البدائل الأفضل.
لم يحتمل الحكام هذا التجاسر، وهذا التطفل، وهذا التجني الذي يصل إلى درجة الخيانة العظمى المعاقب عليها بالإعدام شنقًا في ميدان التحرير، فتحركت الجوقة وانطلق الحراس الذين يقفون على أهبة الاستعداد يطلقون الرصاص، ويلقون الطوب، ويوجهون الشتائم والسباب، فهم يقبضون ويحصلون على مئات الألوف من أجل نصرة الكرسي ومنْ يجلس عليه طالما أنه لا يزال يجلس عليه.

 

لقد وصل الأمر بالكتاب الحكوميين إلى حد المغالطات، وإلى حد توجيه السباب بأقذع الألفاظ وأسوأ العبارات، وقد اخترت عينة من العبارات التي لا تعتبر أبشع ما كتب لأعرضها على القارئ العزيز: «ليس غريبًا أن توجه حملات النقد سواءً كان ذلك بحسن نية أو بسوء قصد؛ لأن المشروعات الاستراتيجية الكبرى تكون أكبر من قدراتهم على الاستيعاب، وربما تكون أفة التسريع، أو ادعاء العلم، أو الرغبة في إثارة الانتباه على طريقة خالف تعرف، وهو في حقيقته نوع من الادعاء أو الدجل العلمي، لم تخرس ألسنة السوء والحقد، ويستطيع جنرالات المقاهي أن يديروا المعارك الكبرى وهم جالسون في أماكنهم، وكذلك يستطيع خبراء المقاهي أن يصدروا الفتاوى بعدم جدوى مشروع توشكى دون إحساس بالمسئولية، ولو كان الإحساس بالمسئولية الوطنية....».

الرد بذات الأسلوب ليس صعبًا، ولكن الأصعب هو ضبط النفس والالتزام بالموضوعية، فالسباب والشتائم دليل على الإفلاس وعلى ضعف الحجة، فهو انفعال في مواجهة حقائق، وهو تشنج ردًا على المعقولية.


وموضوع هذه الكلمة هو التساؤل عن حق الإنسان المصري في مناقشة أمور مشروع ضخم يتكلف الكثير من المليارات، التي يتحمل هو عبئها في حاضره وفي مستقبله، فالأعباء لن تكون على عاتق الحكام وكتابهم، فهاماتهم تبتعد كثيرًا عن هذه الأعباء، ونسأل الشتامين: هل توجد في مصر خطوط حمراء لا يجوز الاقتراب منها؟ وهل توجد موضوعات أو قضايا مقدسة لا يجوز المساس بها؟ وهل تكمم الأفواه لأن المشروع أو القرار قد صدر به أمر سيادي؟

في البلاد الديمقراطية مثل فرنسا - التي كان يزورها رئيس الجمهورية هذا الأسبوع - الأمور كلها مطروحة للمناقشة وللحوار بغير حدود، وبغير سقف، ولا حوائط، ولا خوف، مؤيدو الحكومة لا يطالبون كتاب المعارضة بأن تُخرس ألسنتهم، ولا يصفونهم بأنهم «جنرالات المقاهي»، فكل الموضوعات مفتوحة للأخذ وللرد، والمحظور فقط هو قلة الأدب، وقلة الحياء، وبيع الأقلام.
أليس من حق الشعب المصري أن يسأل وأن يفهم وأن يقتنع بوجود مياه كافية لقيام مشروع توشكى واستمراره، وأن يستفهم عن مصدر تمويله، وأن يتساءل عن إجراءات شراء معداته، وإسناد أعماله، وصياغة عقود...كل ذلك.

وأن يستوضح عائد هذا المشروع، وهل سيعطي عائدًا يتناسب مع نفقاته؟ ويتساءل عن عبء الدولة في هذه النفقات، ومنْ الذي سيتحمل باقي الأعباء؟ هل هو القطاع الخاص؟ وهل تحددت الشركات والجمعيات والشخصيات التي ستدفع المليارات؟ ولزراعة أي نباتات سيتم إنفاق هذه المليارات؟
وقد يكون مناسبًا التفرقة بين الزراعة اعتمادًا على ماء النيل، وبين الزراعة اعتمادًا على المياه الجوفية، فالأمران مختلفان في كل التفاصيل.


وأكثر ما يثير المخاوف هو التجارب السابقة في مديرية التحرير، وفي الصالحية، وفي النوبارية، ويثير المخاوف أيضًا قلة الفائض من مياه النيل في مجموعة عند مراعاة الفرق بين سنوات الحصيلة المرتفعة، والحصيلة المنخفضة للنهر.
مصر بلد مدينة، ومصادر ثروتها محدودة، وتعداد سكانها ضخم، وبالتالي لا يكون لها أن تغامر، ويكون عليها أن تدفق في البدائل بشدة لتختار الأفضل والأضمن.


د. نعمـــان جمعــــة.

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000