الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

كثر الحديث هذه الأيام عن سياسة الحد من الإغراق التي تتبعها دول السوق الأوروبية المشتركة في مواجهة المنتجات المصرية

كثر الحديث هذه الأيام عن سياسة الحد من الإغراق التي تتبعها دول السوق الأوروبية المشتركة في مواجهة المنتجات المصرية، وخصوصًا المنتجات الزراعية.. والأمر يتعلق بقراراتٍ تسعى إلى تقييد الصادرات المصرية إلى أوروبا.

وهو موقف طبيعي من البلاد المتقدمة اقتصاديًّا والتي تتعامل معنا على أننا سوق لتصريف منتجاتها، وليس لنا أن نصدر إليها إلا المواد الأولية، فهي تفرض علينا سياستين متناقضتين هما سياسة «الجات» وسياسة الإغراق، فاتفاقية «الجات» تفرض علينا فتح حدودنا على مصاريعها، وسياسة الإغراق تعني إغلاق الحدود الأوروبية أمام بضائعنا، وهكذا يكون للأقوياء موقفان يتناسبان عكسيًّا لمصلحتهم وضد مصالحنا.


أمام هذا الموقف العدواني لم يكن أمامنا إلا الاحتجاج والاتصال بالمسؤولين في أوروبا، ودعوة السفراء ومنهم السفير الألماني في مصر إلى التحاور ومحاولة الإقناع، وكل ذلك لن يغير من الأمر شيئًا؛ لأن الغرب - خصوصًا في العلاقات التجارية - لا يعرف العواطف ولا يعترف بها، ولذلك فهو لا يتغير ولا يتحول ولا يتحرك إلا في مواجهة الواقع، وعندما تكون مصالحه في الميزان.


الفرق بيننا وبين العالم المتقدم أننا لا نملك غير الكلام وهم يملكون العمل، والكلام لا يغير الواقع ولا يصنع تقدمًا ولا يزيد إنتاجًا؛ لأن الكلام غير المرتكز على أرض صلبة وعلى واقع متين لن يزيد عن كونه استجداءً، أو فهلوةً، أو دجلًا سياسيًّا لخداع الجماهير في الداخل.


ولكن ذلك لا يعني أن مصر تخلو من العاملين الكادحين الشرفاء، ففي مصر ملايين من العاملين من الأطفال، والكبار، والشيوخ الذين يصل عملهم في اليوم الواحد إلى خمس عشرة ساعة، ولكن هذا العمل لا يتم توجيهه إلى زيادة وكفاءة الإنتاج القومي، وإنما هو جهد غير مثمر في بعضه، وفي البعض الآخر مسخر لمصلحة حيتان الانفتاح الاقتصادي أو لصوص القطاع العام، مثل مملكة النحل حيث تكد شغالات النحل لكي تحتكر الملكات الغذاء المسمى بغذاء ملكات النحل.


مصيبتنا الكبرى أننا نهرب من الواقع ونغالط أنفسنا فنتحاشى مواجهة عيوب الذات، ولا نتجه إلى البحث عن عيوبنا ومثالبنا وعن وسائل وطرق مواجهتها وإصلاحها، لا نفعل ذلك وإنما نتجه دائمًا إلى الخارج لنستجدي أو لنقنع، ولذلك يمثل النشاط الخارجي نسبة كبيرة من جهد ووقت كبار المسؤولين، ولن ينجح النشاط الخارجي إلا إذا كانت تحت يد المسؤول واقعًا قويًّا يفرضه أو يخاطب به الخارج.


وأذكر بهذه المناسبة واقعة كنتُ طرفًا فيها سنة 1963 حين زرت عاصمة إحدى دول شمال أوروبا حيث مررت أمام مكتب السياحة المصري، ولم أجد لدى المسؤول ما يكفي للتعريف بمصر وتشجيع السياحة إليها، فقال لي: إن أعياد الميلاد قد اقتربت وإنه قد أعدّ صناديق الويسكي والشمبانيا ليوزعها على مديري شركات السياحة، وحزنت على السياحة المصرية؛ لأن السائح الأجنبي لا يحتاج منا إلى «الويسكي»، وإنما يحتاج إلى أقصر نظيفة لا تمتلئ شوارعها بروث الخيل، ويحتاج إلى مطاعم ومقاهي بغير ذباب، نحتاج إلى قروض وتسهيلات لتجار الأقصر وأسوان وغيرهما لكي تصبح مدنًا شبيهةً ببرلين وباريس ومدريد...إلخ، إذً يلزم تغيير وتطوير الواقع قبل الاستجداء وقبل الفهلوة.


لماذا لا نعترف بعيوبنا ونواجهها؟ لماذا لا نعترف بتصدير أحذية وجبن وموبيليات غير مطابقة للمواصفات إلى بعض الدول العربية؟ لماذا تستورد دول الخليج الموبيليات من أوروبا مع أن الذين ينتجونها هناك أغلبهم مصريون؟ كيف نفقد الأسواق العربية والأفريقية ثم نحاول غزو الأسواق الأوروبية؟


لو أن الشرفاء من القطاعين العام والخاص قد عقدوا العزم على تحسين إنتاجنا كمًّا وكيفًا لكان لنا شأن أخر؛ لأن السلعة الجيدة ذات السعر المعقول تفرض نفسها في الداخل والخارج، فمن حق المستورد الأجنبي أن يرفض استيراد البطاطس التالفة، والطماطم شديدة النضج، وعلبة الجبنة التي يعلوها الدود، والموبيليا من الخشب الحبيبي المصدرة على أنها من الخشب الزان أو الأرو.


إذا انصلح حالنا وتحسن إنتاجنا كمًّا وكيفًا، ورغم ذلك تعرضنا لحرب تجارية، فعلينا أن نعامل الخارج بالمثل، وتقرر الحكومة منع الاستيراد من الدول التي تحاربنا، وتقود الدولة حملة قومية لمقاطعة الأجنبي من السيارات، والثلاجات، والتكييفات، والملابس، والأطعمة، وكل ذلك لكي ندعم إنتاجنا الوطني، بشرط التزام المنتجين المصريين بالشرف والوطنية.


د. نعمـــان جمعــــة.

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000