الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

تـموت الكـلمات علـى الشـفاة وتتـحفظ الصـدور علـى الزفـرات

تموت الكلمات على الشفاة وتتحفظ الصدور على الزفرات، وتتكسر الأقلام قبل أن ينساب مدادها طلقات وانفجارات.الكبت مفروض من الداخل، ولا يفرضه خوف ولا وجل، فلم يعد ثمَّ ما يخيف ولا منْ يخيف، لم يعد ثمَّ مجهول أكثر بشاعة من الواقع ولا من المنظور.

.وإنما الكبت الذاتي ينبعث من إشفاقٍ على بقية من رجال مازال يراود البعض، ومن إشفاقٍ على شباب من حقه أن يحلم بشعاع الفجر، وينبعث كذلك من ترقب لمعجزة تبدد حزنًا أو تفجر أملًا.
إنما الذي أبكيه هو الإنسان وهي القيم وهي المبادئ، فالقيم هي جهاز المتعة الذي يحمي المجتمع من الأمراض والأدران، وهو الذي يمنحه القدرة على المقاومة وعلى الدفاع الذاتي ضد المخاطر والأنواء.
ومن ناحيةٍ أخرى الانحراف ليس وقفًا على بلادنا، وإنما هو ظاهرة إنسانية عالمية تقاسي منه الإنسانية منذ القدم، وتقاسي منه كل المجتمعات فقيرها وغنيها.


ومن ناحيةٍ ثالثة الحديث عن الانحراف لا يقطع بطهارة ونقاء اللوح به، فمعروف أنه لا يُكثر الحديث عن الشرف إلّا مفتقد الشرف، ولا يكثر الحديث عن الفضيلة إلّا من داسها بأقدامه.
لدي ما يقال ولكنه لن يقال ليس هلعًا ولا رعبًا، وإنما إشفاقًا وعطفًا، فالذي أعنيه لم يعد مقصورًا على جانب دون أخر، ولا على موقع دون موقع، بل هو قد تسلل إلى حيث يجب ألّا يكون.
هل يعقل أن الكهان في العلن يعظون الناس ويطلقون الأهازيج والبخور، ثم هم في الخفاء يغوصون في الأوحال ويسبحون في برك من الصديد؟


الذي أعنيه ليس ميكروبًا ولا جرحًا ولا نزيفًا، وإنما هو السوس ينخر في العظام،     أو هو السرطان يأكل الأكباد.
الداء يستعصي على الفيلسوف وعلى الجلاد، فالفيلسوف يدرك أن الأوان قد فات، وأن الأمر لم تعد تسعه إلا معجزة من السماء.
أما عن الجلاد فهو نفسه يقاسي ويلات الداء، وهو من الغباء بحيث لا يدرك حجم الأنواء، وسوطه مجنون أعمي يضرب في أي مكان وكل مكان، هذا السوط قد يلهب جرحًا، وقد يكوي جلدًا ويسيل دماءً، ولكن هيهات له أن يصل إلى بيت الداء ومكمن الخطر والدمار.


أنا لا أقتل أملًا، ولا أخنق شمسًا، ولا اغتال فجرًا، وإنما أبكي عمرًا بل أعمارًا، أبكي فلذات الأكباد بلا مستقبل، فقد أدركتهم الشيخوخة وهم في عمر الزهور، أبكي بستانًا قد جفت أعواده وهو لم يزل في أيام الربيع.
ليس حلمًا مزعجًا، ولا هو ضيقٌ شخصي، ولا هي روح الهزيمة واليأس، وإنما هي صرخة إلى الناس... كل الناس بغير تفرقةٍ بين حاكم ومحكوم، ولا بين يمينٍ ويسار، ولا بين معتدلٍ ومتطرف.
فالمجتمع في قارب تتجاذبه الرياح والأنواء، والقارب يحتاج إلى مراجعةٍ من الشراع إلى القاع.

د.  نعمـــان جمعـــة

صور مقالات د.نعمان جمعة جريدة الوفد"نبضات"من الفترة 1984 إلي 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000