تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

قطعًا سيأتي اليوم الذي نراجع فيه أنفسنا ونضع فيه النقط فوق الحــروف
قطعًا سيأتي اليوم الذي نراجع فيه أنفسنا ونضع فيه النقط فوق الحروف.. وأرجو ألا يكون يوم شماته، أو مبارزة، أو حتى عتاب، بل يكون يومًا نستخلص فيه العبر والدروس، فالكل قد أخطأ وكل منا هو النتيجة وهو القصاب.

أحداث الخليج لم تكن أولى حلقات السلسة ولا هي آخرها، وإنما اختلفت حرب الخليج عن كل ما يسبقها من محن وكروب في أنها جردت العرب من ملابسهم، بل جردتهم حتى من ورقة التوت، لقد انتهت حرب الخليج مخلفةً وراءها شراذم بلا قوة، ولا عقل، ولا كرامة، ولا كبرياء.

قبل نشوب حرب الخليج كتب الساسة والمفكرون الغربيون يحذرون من ضياع مصالح الغرب في المنطقة العربية، وقالوا: إن أي ضربة عسكرية مجاوزة لحدود معينة ستفجر غضبة وثورة العرب، وتبدأ مرحلة عداء بين العرب وبين الفرنجة، ويتهدد إمداد الغرب بالبترول، ويفقد الغرب السوق العربية إلى آجالٍ طويلة.

لقد وقف اليميني الفرنسي المتطرف لوبن موقفًا ضد حكومة فرنسا، وحاول إقناع الرأي العام الفرنسي بضرورة منع استخدام القوة العسكرية؛ وذلك حفاظًا على مصالح فرنسا في المنطقة، وفي ذات الوقت استقال وزير الدفاع الفرنسي شيفينمان وقال- والدموع تملأ جفينه-: إنه لا يستطيع أن يختصم ضميره ويشارك في عمل وحشي يصيب الأبرياء، وكانت المفاجأة مذهلة لشعوب الغرب، فقد وقعت الحرب ودُمرت العراق، ودُفن جودها أحياء، ودُمرت بنيتها الأساسية، ولم يغضب أحد ولم ينتفض أحد، ولم تتعرض مصالح الغرب لأي خطر، وزاد ضخ البترول وانخفض سعره، وازداد العرب رقةً وعذوبةً وتهافتًا تحت أقدام الغرب.

لقد شجع البعض وساهم في ضرب وتحطيم العراق، وكان الدافع عوامل محلية، أو ذاتية، وأحيانًا شخصية وثأرية، تأثر البعض بصف وطغيان صدام حسين، وتأثر البعض بتهديده لهم، وتأثر البعض بحوادث قتل العراقيين لبعض أشقائهم العاملين في العراق، وتأثر البعض بعدم مشروعية احتلال الكويت.

ولكن فات هؤلاء جميعًا أن الفرنجة قد جاءوا لاستكمال الحروب الصليبية، فلم يكن يعنيهم تحرير شعب الكويت، ولا وقف دكتاتورية ودموية صدام حسين، وإنما جاءوا لكسر العرب، وإضعافهم، وإذلالهم، وتقطيعهم، وكل ذلك لضمان مصالحهم ولحماية ربيبتهم إسرائيل.

ولقد انتهت حرب الخليج بضياع هيبة العرب، وكسر شوكتهم، وتحطيم معنويات وكبرياء الإنسان العربي.

فقد اختلفت نظرة الغرب للشعب العربي، وأصبح لا يقيم له أي حساب أو اعتبار، ولا مفاجأة في ذلك فأهل الغرب بطبيعتهم قساة غلاظ لا تعرف الرحمة طريقًا إلى قلوبهم، وهم لذلك لا يحترمون إلا القوة والأقوياء.

ولعل سبب انحيازهم الهائل لإسرائيل يرجع إلى عنف، وقسوة، وشراسة الإنسان الصهيوني، وكان شعورهم نحو العرب سيختلف نحو الأفضل لو أن العراق صمد قليلًا في الحرب البرية، وتمكن من إلحاق خسائر هامة في قوات التحالف المضادة.

والدليل على ازدراء الغرب بشأن العرب نراه في موقفه من العدوان الإسرائيلي اليومي على الشعبين الفلسطيني واللبناني، طبعًا لن يستخدم الفرنجة القوة لمنع إسرائيل من مواصلة العدوان، وطبعًا لن يتفقوا على قرار من مجلس الأمن بحصار إسرائيل، بل أستطيع أن أجزم أن الغرب سعيد بعدوان إسرائيل المتواصل على العرب.

والدليل أيضًا على استهانة الفرنجة بالعرب - بعد كسرهم في الخليج- نجده في القرار الباغي لما يسمى بمجلس الأمن، وهذا القرار الذي اتُخذ ضد ليبيا باطل وغير أخلاقي؛ لأنه يعاقبها على واقعة غير ثابتة، ولأنه يكيل بكيلين بل بعشرة مكاييل.

ولن يكتفي الغرب بالحصار، هل سيضرب ليبيا ليحطم بنيتها الأساسية وما تحقق لها من قواعد صناعية؟ وبعد ليبيا ستكون سوريا ثم مصر.
ويحاول العرب على استحياء التعبير عن رفضهم للعدوان على ليبيا، وإفهام الغرب بأن العدوان على ليبيا عدوان على العرب أجمعين.
ولكنه موقف تأخر كثيرًا عن أدائه، ومن تفقد بكارتها مرة لا يؤذن لها بالبكاء على الشرف.

 

د. نعمـــان جمعـــة

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000