الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

الإصلاح الحقيقي هو الذي يؤدي إلى حياة أفضل للإنسان

الإصلاح الحقيقي هو الذي يؤدي إلى حياة أفضل للإنسان، ومعيار التفرقة بين دولة متقدمة ودولة متخلفة هو حقوق الإنسان ودخله ورفاهيته، ومقياس نجاح الحكومات في الدول المتقدمة هو ما أضافته للمواطن من تأمين، وضمان، ورعاية، وحماية.

وأصدق مثال لهذا المعنى هو المقارنة بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية قبل وحدتها، ففي ألمانيا الغربية المواطن العادي لديه مسكن، وسيارة، وملبس، ومأكل، ومصيف، وتعليم لأطفاله، وعلاج له ولأسرته، ومرافق وخدمات، ومواصلات عامة ينتفع بها.

وكان المواطن في ألمانيا الشرقية نموذجًا للحرمان، وللجوع، وللكفاف.

البرامج التي تعلنها الحكومات في الدول المتقدمة تتميز بالصدق وبالطابع العمل التطبيقي، ويستطيع المواطن أن يتبعها وأن يفهمها وأن يحدد موقعه منها، ويستطيع أن يحسب من خلالها بدقة مستواه الاجتماعي والاقتصادي، وما سيترتب عليها من زيادة في دخله ومن نقص في أعبائه، وبغير اختصار في الأعباء وزيادة في الدخل وفي الرفاهية تكون الحكومة قد فشلت، ويكون عليها أن ترحل.

أما عندنا في مصر فالحكومات تطعم الناس بالتصريحات والبيانات، الحكام عندنا قد اتقنوا فن الكلام، وفن إغراق الجماهير في البيانات، ومنْ يقرأ تصريحات الحكام يظن أن المواطن العادي قد أصابته التخمة من كثرة النعيم وفرط الرفاهية، ويظن أن الضرورات قد توافرت، وأن حجم المعاناة قد تقلص.

فإن تركنا بيانات وتصريحات المسئولين وتعايشنا مع الواقع كانت الصدمة شديدة وقاسية؛ فالمواطن المصري العادي يعيش بؤسًا، وحرمانًا، وضنكًا يبعث الحزن في النفوس والقلب.

لقد اختفت البسمة من الوجوه ونادرًا ما تلقى إنسانًا يشعر بالسعادة، أو البهجة، أو الرضا، حتى النكات لم تعد تضحك المستمعين لها، فالنفوس قد شاخت...والقلوب قد أضنيت... والصدور قد ضاقت وانطفأ فيها شعاع الأمل.

فمن أين للإنسان بالسعادة أو الارتياح مع هذا الضنى وهذه المعاناة؟ فالشباب من جميع الفئات لا يجد العمل، ولا الدخل، ولا المسكن، ولا الأمل في الزواج وفي الأسرة وفي المستقبل المعقول.

فرب الأسرة متعدد الأفراد لا يجد في دخله المحدود ما يكفي لإطعام أسرته بما يسد الرمق ويشبع البطون، والمريض لا يجد في المستشفيات علاجًا ولا دواء، ويطلبون منه في المستشفيات العامة إحضار الدواء والقطن والحقن، والدواء في الصيدليات أصبح عزيز المنال لما طرأ عليه من زيادة رهيبة، أما عن المستشفيات الخاصة فإن نفقات العلاج بها ترهق حتى المقتدرين.

منْ يرغب في تعليم أبنائه فعليه أن يؤهل نفسه لكفاح مرير؛ فعليه أن يجد المدرسة وأن يجد المدرس الخصوصي، ثم تتوالى المعانات للبحث عن مكان في التعليم العام ثم التعليم الجامعي، وبعد الحصول على الشهادة تكون البطالة الممتدة للعديد من السنوات.

الحكام ينعمون بالوظيفة العامة ومزاياها، وهم لا يعيشون آلام الناس، ويكفيهم الحملات الإعلامية لغسيل المخ، فهم يمتصون دماء الناس بمزيد من الضرائب، والرسوم، ورفع أسعار الطاقة والخدمات الحكومية، ثم يبددون جانبًا كبيرًا من الدخل العام في البذخ الحكومي المبالغ فيه.

فيضيع المال العام في السفريات، والبدلات، والاستراحات، والسيارات الفاخرة المصفحة وغير المصفحة، وفي المباني الفاخرة، والحفلات، والمواكب.

وكل ذلك دون إشارة إلى صور الفساد المختلفة من تربح، واستيلاء على المال العام في صورة عمولات، وسمرة، وتدخل في الصفقات الكبرى، وفرض إتاوات على كبار رجال الأعمال.

الحكومة تقترض وتنفذ بعض مشروعات البنية الأساسية، والحكومة تجبي الضرائب وترفع أسعار الطاقة، ثم تنفق الحصيلة بغير تدقيق أو محاولة للتقشف

والحكومة بذلك تكون قد حققت للبلاد كسادًا اقتصاديًّا غير مسبوق، وتكتفي بالتشدق بمصالح الجماهير ومحدودي الدخل.

وتنسى الحكومة أن رفع المعاناة لا يكون إلا بدفع عملية التنمية وزيادة الاستثمار، وكيف ينتعش الاستثمار في ظل تشريعات معرفة، وجهاز إداري عفن، وضرائب باهظة، وفوائد مرتفعة، وطاقة غالية؟

هل آن الأوان لكي تختار الحكومة بين الإسراع في الإصلاح أو الرحيل غير المأسوف عليه؟



د. نعمـــان جمعــــة

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد،"نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000