تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

ليس مصادفة أن تتفجر الصراعات في أغلب النقابات المهنية

ليس مصادفة أن تتفجر الصراعات في أغلب النقابات المهنية - أن لم يكن فيها جميعًا-، ولا يخلو حزب أو هيئة أو تنظيم من الصراعات، في داخل السلطة الناس تتصارع، وتختلف، وتنقسم على نفسها، بل وحتى في داخل التنظيمات والتجمعات الايديولوجية والعقائدية الناس مختلفون ويتربصون ببعضهم البعض.

الإخلاص لهذا البلد يقتضي البحث المتعمق المخلص عن سبب هذا الاقتتال، ولا يكفي في ذلك التعلل ببعض الأسباب الواهية، والتي تصلح أن تكون مناسبةً للأحداث أو تداعيًا لها أكثر من كونها سببًا محركًا، وقوةً دافعة.


أعتقد أنه في كل موقع توجد حقيقة واضحة وصارخة، فالإطار قد أصبح غير مناسب للمضمون، أو بتعبير أدق الإطار يضيق بالمضمون ولا يتسع له، ولذلك يتمزق الإطار ويدب فيه الضعف ويمتلئ بالثقوب.


باختصار الإطار قد أصبح باليًا وعتيقًا ومنفصًلا عن المضمون، وليس حلًّا للمشاكل أن يلجأ البعض للضلال والتضليل، أو إلقاء اللوم على زيد أو على عمرو، فيعلم الله أن العيب فيهم وأن المرض في أكبادهم، وأن العلاج بالاستئصال فلم يعد الدواء يجدي ولا يشفي.


فمثلا نقابة المحامين تشهد هذه الأيام أحداثًا، وزعم البعض بحسن نية أو بسوء نية أن الوفد ساهم في الأحداث، أو أن بعض قيادات الوفد قد أوعزت أو شجعت، ونسب البعض لأشخاص محددين تدخلاتٍ وهمية.


ونسي البعض أن شباب المحامين - وهم أغلبية - يقاسون من المشاكل ما لا يشعر به أحد من الفرق المتصارعة، فجميع الفرقاء بلا استثناء قد استقرت مراكزهم الاقتصادية والاجتماعية، والذي يعنيهم هو الفوز بمراكز النقابة وقد يطلبون الفوز لذاته، أو للانتصار على الخصوم، أو لتطبيق بعض الإصلاحات، أو لجلب بعض المنافع.


أين كل هؤلاء من المحامي الذي لا يجد مسكنًا، ولا يجد مقرًا لعمله، ولا يجد سبيلًا للزواج ولتكوين أسرة ولكي يحيا حياةً شبه كريمة تحقق الحد الأدنى للأدمية؟


النجاح في الانتخابات ليس دليلًا على تمثيل إرادة ومصالح الأغلبية، فالمحامون يزيدون على الثمانين ألف محام، ولا يحضر الانتخابات إلا عشرهم والباقي لا يحضر تعبيرًا عن اليأس، أو الرفض، أو البعد عن المهاترات.


النجاح في الانتخابات يعتمد على مجموعات المصالح التي تحصل على الإعانات، والسفريات، وتوزع عليها بعض القضايا الدسمة، وتعتمد على إتقان العملية الانتخابية بكل ما فيها من ترتيب وتدبير، يصل أحيانًا إلى حد تبديل الصناديق في الطريق من الأقاليم إلى أماكن الفرز.


المحامون غاضبون؛ لأن لهم مشاكل، والمحامون على مر العصور لا تستطيع قوة أو حزب أن يلعب بهم ويوجههم، لو حاول الوفد أو غيره من الأحزاب أن يحرض أو يحرك جماهير المحامين لكان رد الفعل عكسيًّا، ولرفض المحامون التدخل في شئونهم.


والسبب في استمرار المشكلة وتفاقمها أن من بيدهم الأمر يستهينون بالمحامين، فمن بيدهم الأمر لا يريدون الاعتراف بأن أحداث النقابة مهنية بحتة، ولا يريدون الاعتراف بأن للمحامين مشاكل وأزمات، وأن الذين يتعرضون لقيادة العمل النقابي لا يعيشون هذه الأزمات، ولا يشعرون بها، ولا يعيشونها بعمق.


الأحداث لم يحركها حزب أو أشخاص، ولا يستطيع حزب أو أحزاب أو أشخاص أن ينهي المشكلة بمجرد مصالحة زيد مع عمرو، فالمشكلة وتداعياتها تجاوز الأحزاب والأشخاص.


فالآلاف التي تهتف يوميًّا في دار القضاء العالي قوامها شباب لا يحلم بأي مستقبل فيه إشراقة أمل، وحاضره مليء بالهموم ،وضيق ذات اليد، وسوء المعاملة من الشرطة وأحيانًا من النيابة، ومن المجتمع الذي اختلت فيه القيم والموازين.


د. نعمـــان جمعـــة.

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000