الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

دأبت بعض الأقلام والأصوات العربية على إضفاء وصف عدم المشروعية على موقف وتصرفات العراق حاليًا
دأبت بعض الأقلام والأصوات العربية على إضفاء وصف عدم المشروعية على موقف وتصرفات العراق حاليًا، ويؤسسون عدم المشروعية على عدم الخضوع الكامل لقرارات مجلس الأمن، فقرارات مجلس الأمن بالنسبة لهم تمثل المشروعية الدولية، وعدم الانصياع الكامل لها يعتبر عدوانًا على المشروعية.

وبذلك يكون وصف المشروعية أمريكي الهوية؛ لأن أمريكا تسيطر على مجلس الأمن، خلال المصالح والهيمنة الاقتصادية المفروضة على الدول المسيطرة على مجلس الأمن فقد تمكنت أمريكا من الحصول على القرارات العديدة المتتالية، وسمحت لها هذه القرارات بمحاصرة وتجويع وإذلال الشعب العراقي لمدة سبع سنوات، وسمحت لها كذلك بمنع قوات العراق من التواجد في شمالها أو جنوبها، وسمحت لها أيضًا بتوجيه بعض الضربات العسكرية بين الحين والأخر، وسمحت لها باقتحام كل المواقع بما فيها مسكن رئيس الدولة، وسمحت لها بأن ترفض تحديد أجل ينتهي عنده الحصار والتفتيش والسيطرة على بيع البترول، وعلى إمكانية استيراد الغذاء والدواء.


وهكذا يتضح أيضًا أن هذه المشروعية تعني خضوع شعب بأسره للذل، والجوع، والمرض، والفقر، ولاستحالة التنمية...إلخ، وتعني موت مئات الآلاف من الشيوخ والأطفال لاستحالة العلاج ولعدم كفاية الغذاء، إذا كانت هذه المشروعية فإن الحكم يكون عدم مشروعية المشروعية، فليست مشروعية تلك التي تهدر الحق والعدل والقيم والإنسانية، والتي تكرس الظلم والطغيان والعربدة استنادًا إلى القوة الغاشمة وإلى التفوق العسكري، وإنما هي شريعة الغاب التي تكون فيها الغلبة للأقوى وهو منطق الوحوش التي تتعامل بالأظافر والأنياب، وهو ما يدفع الجميع إلى التسلح بوسائل الحماية والهجوم، وهو السبب الحقيقي لسعي الجميع لامتلاك الأسلحة الفتاكة وأسلحة الدمار الشامل، فامتلاك الذئب الصهيوني للرؤوس النووية دفع الجيران إلى البحث عن الممكن للرد والدفاع.

ويستخلص من ذلك أن المشروعية ليست قواعد القانون بغض النظر عن مضمونها، فقواعد السلوك عمومًا عبارة عن مضمون قبل أن تكون إطارًا، والمضمون يستمد من الأخلاق ومن القانون الطبيعي ومن الفطرة السليمة والمنطق المستقيم، وبذلك تقوم المشروعية على تسلسل تصاعدي يستند في نهايته إلى العدل والحق، وإلى الأخلاق والاستقامة، فالسلوكيات والتصرفات تكون مشروعية استنادًا إلى مسطرة أي إلى مقياس، وهذا المقياس يبدأ بالقرارات واللوائح، فعلي الأفراد احترام هذه القواعد الدنيا، وهذه القرارات لا تكون مشروعة إلا إذا احترمت قواعد القانون، وقواعد القانون لا تكون مشروعة إلا إذا احترمت قواعد الدستور، والدستور ذاته لا يكون مشروعًا إذا أهدر حقوق الإنسان، ومبادئ الأديان، والأخلاق، والمنطق القويم، فليست مشروعية قاعدة الدستور التي تبيح تعذيب الإنسان وإهدار كرامته، وليست مشروعية تلك القاعدة التي تسهل على الإدارة تزوير إرادة الأمة.

وبنفس المنطق لا تكون قرارات المنظمات الدولية مشروعية إلا إذا احترمت حرمة وسيادة الدول وحق الشعوب في الحياة، فعليها أن تلتزم بمبادئ العدل والحق والقيم الإنسانية،
والخلاصة أنه بالبلطجة الأمريكية أصبح القانون الدولي سفينة يركبها قرصان، وأصبح معبدًا يعظ فيه السفاحون ومصاصو الدماء.

د. نعمـــان جمعـــة

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000