الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

المواطن المصري لا يملك إلا الحسرة على نفسه وعلى شعبه وعلى وطنه

المواطن المصري لا يملك إلا الحسرة على نفسه وعلى شعبه وعلى وطنه.. وذلك عندما يراقب ما يحدث في البلاد الديمقراطية ومنها ألمانيا، فقد أجريت فيها الانتخابات التي تحدد أعضاء البرلمان وبالتالي أعضاء الحكومة.. هناك الشعب هو السيد وهو الذي يتخذ قرار تداول السلطة من خلال صناديق الانتخاب.. هذا الصندوق هو العصا السحرية التي لا تلتوي، ولا تنثني، ولا تنحرق، ولا تكذب.

وبهذه الأداة تنتقل السلطة من حكومة إلى أخرى دون مخاطر ودون قلاقل ودون احتمالات، فكل من يسعي إلى الحكم يدرك أن وسيلته الوحيدة هي السعي إلى الناخبين وإقناعهم للحصول على ثقتهم، فالحكم عندهم لا يكون الوصول إليه بالانقلابات أو بالاغتيالات، وبالتالي فإن حكامهم لا يضطرون إلى توقي العنف بالأحكام العرفية، وبالاعتقالات، ثم بتزوير الانتخابات.

يوم الأحد الماضي أُجرِيت الانتخابات التشريعية في ألمانيا وشارك فيها أكثر من 82% من الناخبين، وهي نسبة كبيرة جدًّا وتدل على اهتمام الشعب بالانتخابات وبالمشاركة في الحياة العامة، وينبع ذلك من الشعور بالانتماء وبأن المواطن يشعر بدوره وبتأثيره، بعكس الحال عندنا حيث يشعر المواطن بعدم جدوى المشاركة...فهي ليست سوى مجهود بدني وضياع للوقت بغير فائدة؛ لأن نتيجة الانتخابات ليست مستمدة من بطاقات التصويت، وإنما يقررها المزورون على هواهم، ولذلك لا تزيد المشاركة عندنا على عشرة في المائة من الناخبين.

وما يتم إعلانه عن مشاركة 80%، أو 90% من الناخبين ليس إلا إصرارًا على العبث والاستهانة بالعقول.

في ألمانيا يضع الناخب بطاقته في صندوق زجاجي شفاف، وينتهي التصويت في تمام السادسة مساء وبعد ساعة واحدة أُعلِنت في الحاسب الآلي الذي قام بالاستبعاد والفرز والجمع في دقائق، لم يستغرق الفرز يومين أو ثلاثة ولم تحدث عملية التضبيط التي تستغرق خمس عشرة ساعة، ولم تحدث طعون؛ لأن الموتي والغائبين عندهم لا ينتخبون، باختصار هم لا يمارسون العربدة الانتخابية.

لقد حصل حزب شرويدر على نسبة 41% من الأصوات، وحصل تجمع المستشار كول على حوالي 35% من الأصوات، وبذلك استبعد كول من منصبه وحل محله شرويدر.
الشعب الإلماني قرر إنهاء مهمة كول التي استمرت ستة عشر عامًا، حقق خلالها المعجزات فقد نجح في توحيد شطري ألمانيا، وشارك في مشروع أوروبا الموحدة، وساهم بإيجابية في تفكك الاتحاد السوفيتي، وفي استقلال دول أوروبا الشرقية وتخلصها من النظام الاشتراكي، وفي عهده ازدهر الاقتصاد الألماني واحتل المارك مكانًا عاليًا ومرموقًا.

ما حدث للمستشار كول حدث في أمريكا...فاز كلينتون ضد بوش، وفي إنجلترا حيث فاز بلير، هذه الشعوب لا تنكر فضل ولا إنجازات رؤسائها، فصاحب إنجازات يدخل التاريخ وتنحت له التماثيل، وتسمى باسمه الشوارع، ولكنهم يرفضون الآلهة وأنصاف الآلهة، فكان المواطن الألماني يصرخ قائلًا: أن المستشار كول رجل عظيم ولكن ستة عشر عامًا مدة طويلة وليس من المقبول تمديدها، عقب الهزيمة خطب كول قائلًا: الناخبون قد قرروا...وباسم الديمقراطية أقبل وأحترم هذا القرار، وستستمر الحياة، والدرس المستفاد هام فالبقاء في المنصب لمدة طويلة يورث الخمول، ويوحي لشاغله بأنه إنسان غير عادي وليس كباقي المخلوقات، ويبدأ الشعور بالقداسة والإحساس بالألوهية، وتركد المياه فيعلوها العفن وتكسوها الطحالب الضارة.

يلاحظ كذلك أن الذي انتصر في انتخابات ألمانيا الأخيرة هو الحزب الاشتراكي، وبذلك أصبحت أوروبا الغربية كلها محكومة بأحزابٍ اشتراكية فيما عدا أيرلندا وأسبانيا، أي أن ثلاث عشرة دولة حكوماتها اشتراكية ودولتين حكومتها يمينية.

كيف يحدث ذلك في أوروبا الغربية في الوقت الذي تخلت فيه روسيا وأوربا الشرقية عن الاشتراكية؟ الرد واضح وليس فيه أي لبس...ففي أوروبا الغربية الأحزاب الديمقراطية اشتراكية أي أنها تعض بالنواجز على الحرية، وحقوق الإنسان، وسيادة الشعوب...فلا مساس بالمؤسسات ولا بنزاهة الانتخابات، فصندوق الانتخاب الشفاف والنظيف هو الفيصل في تولي المناصب وفي تداول السلطة.

ولكن إلى جانب الديمقراطية تطالب الشعوب بالعدالة الاجتماعية، وبكفالة العمل اللائق، والعلاج الشافي، والتعليم المناسب، والحد الأدنى لمطالب الحياة لكل مواطن، فبالرغم من أنها بلاد غنية إلا أن الفجوة كبيرة بين الحياة لكل مواطن، فبالرغم من أنها بلاد غنية إلا أن الفجوة كبيرة بين الحيتان، وأصحاب الاحتكارات، ومحترفي الاقتراض من البنوك، وبين الأغلبية العظمى من هذه الشعوب التي ينقصها الكثير من الضرورات.

 

د. نعمـــان جمعـــة

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000