الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

يخـطئ من يـظن أو يتـوهم أن الـحرية الإقـتصادية تـعني إلـغاء دور الـدولة

يخطئ منْ يظن أو يتوهم أن الحرية الإقتصادية تعني إلغاء، أو إضعاف، أو تهميش دور الدولة، بل على العكس لا تزدهر الحرية السياسية ولا الحرية الاقتصادية إلا في ظل الدولة القوية القادرة على اتخاذ القرارت الكبرى، وعلى مواجهة الظروف الصعبة، وعلى حسن إدارة الأزمات.

والدولة القوية ليست هي الدولة البوليسية، ولا هي دولة القمع، وإنما هي الدولة الحازمة التي لا تتردد، ولا تؤخر لحظة اتخاذ القرار المناسب في وقته المناسب أيًّا كانت أهميته، والحزم لا يعني العنف، ولا يعني القهر، ولا يعني تكميم الأفواه وفتح السجون وفرض العقوبات.
وترتيبًا على ذلك يكون على الدولة أن تراقب النشاط المالي والاقتصادي والتجاري، ويكون عليها أن تحدد أهدافها وفلسفتها وعند اللزوم تتدخل بالقرارت الحازمة، والتدخل في الدول الديمقراطية لا يكون بالتدابير وبفرض العقوبات أو بتغليظها، فكل ذلك إن جاز لبعض الوقت في الأمور السياسية والإدارية، فإنه يكون مرفوضًا تمامًا في شئون الاقتصاد، وإنما تواجه المشاكل الاقتصادية ويصحح المسار الاقتصادي بالسياسات، والقرارت الفنية الهادئة العاقلة ذات الطابع الاقتصادي.


ولا توجد حكومة في العالم - بما في ذلك حكومات العالم الديمقراطي مثل: أمريكا، واليابان، وألمانيا، وفرنسا - إلا وتتدخل في تحديد سعر عملتها، وسعر الفائدة عن ودائعها، وتشجيع تصدير بضائعها، ومواجهة البطالة والركود بعديد من الإجراءات المالية والاقتصادية بكل صورها، وتشتعل المعارك الاقتصادية بين هذه الدول، ولا تتردد أي من هذه الدول في انتهاج السياسة التي تحقق لها أكبر قدر من الربح من التجارة العالمية، والتي تحقق أفضل الظروف لميزانها التجاري ولميزان مدفوعاتها، ولا تقيم هذه الدول أي وزن للاتفاقيات الدولية، ولا لصندوق النقد الدولي، ولا للبنك الدولي إذا تعرضت مصالحها الاقتصادية للخطر، فعندما يحتدم الصراع وتتنافر المصالح فهي الغابة، والحسم فيها يكون لأنياب الوحوش وأظافرها.


ويمر اقتصاد مصر هذه الأيام بمنعطف هام وبالغ الحساسية، فالميزان التجاري يميل في غير صالحنا؛ لأن وارداتنا وصلت إلى أضعاف عديدة لصادراتنا، والدخل القومي من العملات الأجنبية يتناقص بسبب انخفاض أسعار البترول، وانخفاض دخل السياحة ودخل قناة السويس، وانخفاض حجم تحويلات المصريين من الخارج، وتزايد تحويلات العملات الأجنبية للحج، وللسياحة، وللإيداع، والاستثمار في الخارج، والعملات الأجنبية وعلي رأسها الدولار في ارتفاع في مواجهة العملة الوطنية مما يشكل ضغطًا هائلًا على ميزان المدفوعات المصري،
وثم عناصر لا حيلة لنا في التحكم فيها أو تغييرها أو السيطرة عليها، وهي على وجه الخصوص إيرادتنا من العملات الأجنبية من البترول، ومن رسوم مرور السفن في قناة السويس، ومن السياحة، ومن تحويلات المصريين بالخارج.

وثم عناصر يصعب مواجهـتها وتغييرها في المدى القصير أو حتى في المدى المتوسط، وهي أساسًا الصادرات المصرية إلى الخارج وخصوصًا الصادرات مرتفعة القيمة، فيحتاج اقتصادنا إلى وقت طويل لكي ينتج السلع والخدمات القادرة على المنافسة الخارجية، والتي تكون مرتفعة القيمة، فالإنتاج الزراعي لا يسعفنا، والتقنية العالية تنقصنا، والإنتاج الصناعي المتطور نفتقده، فالدول المتقدمة مثل: أمريكا، واليابان، وألمانيا تتحول من المنافسة في الإنتاج الصناعي المتطور إلى المنافسة في إنتاج التقنية شديدة التطور.
ويشل حركتنا في مواجهة بعض عناصر هذا الخلل عدم انتظامنا في طريق الديمقراطية؛ لأنها هي التي تقدم الضمان القوي للمستثمر المصري والأجنبي، ولأنها تكفل وقف هجرة الأموال إلى الخارج، وعودة ما هاجر منها إلى مكانه بالداخل، فالديمقراطية هي حكم المؤسسات، وهي تداول السلطة وانتقالها بالطريق السلمي من خلال صناديق الانتخاب النظيفة.


وهكذا لا يكون أمامنا إلا طريق إقتصادي ومالي واحد وهو السيطرة على الواردات، وعلى التحويلات إلى الخارج، ولا يكون ذلك بالبطش أو بالعقوبات الاقتصادية، وإنما بالسياسات والوسائل الاقتصادية الهادئة.
فليس معقولًا أن نستورد حديد التسليح المدعوم من دول إنتاجه، لكي نقضي على إنتاجنا المحلي الذي يتراكم دون طلب عليه فتفلس مصانع إنتاجه، ونفس الشيء بالنسبة للأسمنت، وللسكر، وللدواجن، وللمواشي...إلخ، وليس معقولًا أن ينفق المصريون أربعة مليارات جنيه في الحج وفي العمرة ولدينا 5 ملايين عاطل، ولدينا الفشل الكبدي والكلوي بسبب عدم توافر مياه الشرب النقية، وليس معقولًا ... وليس معقولًا .. إلخ.


د.نعمان جمعة.

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"من الفترة 1984 إلى 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000