تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

هل سندخل القرن الجديد بنظامنا المالي الحالي؟

هل سندخل القرن الجديد بنظامنا المالي الحالي؟ وهذا النظام يشمل المالية العامة من إيرادات ونفقات، ويشمل أعمال البنوك من تجميع للمدخرات وضخها في السوق في صورة إئتمان، وتسهيلات، ومضاربات، وتوظيف للقدر الزائد في صورة ودائع لدى الغير، وشراء أسهم وسندات، ويشمل كذلك الهياكل المالية لوحدات قطاع الأعمال والشركات والمشروعات الخاصة.

فكل ذلك يحتاج إلى انضباط بحيث تتوافر السيولة والتوازن بغير أعباء باهظة تثقل الإنتاج والاستثمار، ومعلوم أن الهيكل المالي هو الركيزة الأساسية للاقتصاد؛ لأن الوحدة الاقتصادية العامة أو الخاصة تفشل وتنهار إذا لم يتحقق لها الهيكل المالي السليم، وذلك مهما توافر لها من فنيين وإداريين، ومن أجهزة وآلات، ومن تقنية متطورة.
فمقطوع بأن المالية العامة عندنا تقاسي من تشتت وتعدد الميزانيات والصناديق، بما يتنافى مع مبدأ وحدة الميزانية ووحدة الخزانة، فالخزانة العامة لا تتلقى كل الإيرادات العامة، فهي لا تتلقى قيمة القروض الخارجية ولا القروض الداخلية من صناديق التوفير ومن صناديق المعاشات والتأمينات، ولا يدخل فيها إيرادات بيع السلاح، ولا إيرادات الشركات التي تملكها المخابرات العامة، ولا إيرادات بيع البترول والغاز بصفة منتظمة.


وفي الجانب الأخر تتعدد الميزانيات بتعدد الخزانات فلدينا الميزانية العامة، ولدينا الميزانية الاستثمارية، ولدينا الميزانيات غير المعلنة، والميزانيات التي لا يعلن منها إلا الرقم الإجمالي الذي لا يوضح شيئًا علي الإطلاق، وطبعًا تثار هنا فكرة أسرار الدولة التي لا يجوز إعلانها.
بيد أن كل دول العالم توجد بها مؤسسات قومية تأخذ على عاتقها الأمن الداخلي والخارجي للدولة، ويحاط نشاطها وإنفاقها المالي بالسرية التامة، ولكن ذلك لا يمنع من وحدة ومركزية ميزانية وخزانة الدولة. ويناط بلجان خاصة بالبرلمان أو بمجلس أعلى للأمن القومي تحديد حجم الإنفاق السري وأوجهه، ومراقبة تنفيذ هذا الإنفاق، وبهذا تتحقق وحدة الدولة وهيمنتها على كل فروعها وكل صور نشاطها.


والإصلاح المالي يجب أن يمتد إلى البنوك بحيث تكون محل الثقة المطلقة للمواطنين، فتصبح الوعاء الطبيعي الذي يتجمع فيه الادخار القومي، فلا يقع منْ بيده نقود للادخار في براثن المغامرين، والمتلاعبين، وشركات توظيف الأموال، وتلك التي تصدر السندات الوهمية.
فحجم الادخارالقومي ووضعه في وعائه الطبيعي، ثم حسن توجيهه هو عماد الإنتاج والاستثمار والتنمية، وهذه الأهداف لا تتحقق بالصدفة أو تلقائيًّا أو عشوائيًّا، وإنما يلزمها سياسات وخطط وقرارات ومخاطبة للناس وإقناعهم وكسب ثقتهم، لكي ينمو الوعي الادخاري ويتم استخدامه في مشروعات الإنتاج.


ويحتاج الإصلاح المالي كذلك إلى سياسة موحدة ومنضبطة للإئتمان، فما يحدث الأن غير معقول وغير مقبول، فالبنوك الحكومية الكبيرة تقرض المليارات بغير ضمان ولا ضابط، ويتم تهريبها إلى الخارج ثم تتحول إلى ديون معدومة، وهنا لا متابعة ولا مساءلة ولا عقاب، وفي الجانب الأخر يتم ترويع البنوك الأخرى بسبب تسهيلات غير كبيرة نسبيًّا، وهنا يتم الضبط والتحقيق والمحاكمة، وتكون النتيجة هي تشدد هذه البنوك أو امتناعها عن منح التسهيلات العادية المشروعة، وهكذا يقف الإئتمان المصرفي بين تفريط هنا وتقتير هناك.


وحتي مالية الشركات وخصوصًا الكبيرة- سواء كانت خاصة أم عامة- فإنها تحتاج إلي قواعد تحكم إنضباطها، فلا تضيع أموالها السائلة في الدعاية، وفي التأثيث البذخي، وفي صرف المكافآت المبالغ فيها للرؤساء، وصرف نسب من الأرباح الوهمية للشركاء وللعاملين، ثم بعد ذلك تقل أو تختفي السيولة، ويكون الالتجاء إلى الاقتراض وإلى السحب على المكشوف، وينتهي الأمر إلى الإفلاس وضياع حقوق المتعاملين مع هذه الشركات.

د. نعمان جمعة.

صور مقالات د.نعمان جمعة، جريدة الوفد، "نبضات"، من الفترة 1984إلى 2000