الإثنين, تشرين1/أكتوير 15, 2012
Text Size
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

كيف جلس وفاز المدة الثانية على شيراك

"فرانسوا ميتران" رئيس جمهورية فرنسا ظاهرة سياسية مثيرة، فهو إرادة دءوبة صابرة عنيدة، وهو الوحيد في تاريخ فرنسا الذي لم يحرك ملل الشعب الفرنسي، فالشعب الفرنسي لا يطيق احداً في السلطة لمدة طويلة، فليس للفرعون مكان في الخريطة السياسية

الفرنسية وحتى لا يتأله حاكم أو حزب أو تجمع سياسي، ترى الناخب الفرنسي يمنح ثقته ثم يحجبها ومن خلال منح الثقة وحجبها تظهر أحزاب وتختفي أخرى، وتظهر تحالفات وتتلاشى أخرى باختصارالحياة السياسية في فرنسا حصان جامح لم ينجح فارس في ترويضه أو امتطائه لمدة طويلة، فمثلا "ديجول" العظيم لم يتمكن من تحقيق كل ما كان يجول بخاطره من اصلاح، وذلك رغم ما قدمه لفرنسا كقائد عسكري أثناء الحرب العالمية الثانية، ورغم ما قدمه لها كزعيم سياسي وكبطل الإنقاذ القومي في الستينات.

"ديجول" انهى حرب الجزائروحقق استقراراً سياسياً لم تشهده فرنسا من قبل، وانتقل باقتصادها من الكساد إلى الازدهار وحقق لها استقلالها الخارجي في مواجهة امريكا وادخلها في النادي النووي وأصبحت فرنسا من أكبر الدول إنتاجاً للطائرات وللأسلحة الإلكترونية المتطورة، ومع كل ذلك رفض الشعب الفرنسي ألوهية ديجول ورفض أن يعطيه الأغلبية التي طلبها في استفتاء حول المحليات، وترك ديجول السلطة بكبرياء وشموخ سنة 1968، ولم يحزن الشعب الفرنسي في حياته قدرحزنه وقلقه لحظة تخلي "ديجول" عن السلطة.

كان "ديجول" ظاهرة خارقة ولكن الشعب الفرنسي المتمرد الثائر الملول بطبيعته لم يشأ أن يرضخ فالشعب الفرنسي قد احب "ديجول" زعيما لكنه لم يطقه إلاها.

اما عن الثعلب "ميتران" فهو كالماء ينساب في يسر إلى الأمام ولكنه لا يعود إلى الوراء، حياته السياسية قصة كتبها من وحي خياله ثم اخرجها ثم لعبها على المسرح، ولم يتردد فى مراجعة النص وتطويعه وتطويره وفقا لرغبات جمهور المشاهدين.

تقلد منصب الوزارة للعديد من المرات وفي العديد من الوزارات ثم تمكن من تكوين التجمع الاشتراكي تحت رئاسته، ومن خلال التجمع الاشتراكي خاض انتخابات الرئاسة ضد "ديجول" و"بومبيدو" و"جيسكار" سنة 1981 ثم انتصر على "شيراك" هذا العام.

وعند فوزه بالرئاسة الاولى شكل وزارة أدخل فيها الحزب الشيوعي، واستجاب للحزب الاخير، فأمم العديد من البنوك والشركات، وهربت رؤوس الأموال إلى سويسرا، وانخفض سعر الفرنك،  وأسعار العقارات، وأفلست العديد من المشروعات، وعندئذ تخلص "ميتران" من الحزب الشيوعي وشكل وزارة برئاسة المليونير "فابيوس" وحاول استعادة ثقة رأس المال الفرنسي، وتحسنت الأوضاع الإقتصادية.

وعندما شكل "شيراك" وزارته اليمينية أعاد الكثير من الشركات إلى ملاكها بعد إلغاء تأميمها، وهنا تمكن الثعلب الداهية من التعايش مع "شيراك" ، ورغم أن "شيراك" كان يستفزه ويفرض عليه حلولا لا يرضاها.

وأخيرا فاز "ميتران" بالرئاسة الثانية ثم قام بحل المجلس النيابي، وقاد الانتخابات التشريعية إلى أن حرم اليمين من العديد من المقاعد، وكانت دعامته في الدعاية الانتخابية هي الاستقرار والاعتدال.

الدرس المستفاد من قصة "ميتران" هو انتهاء عصر القوالب والأفكار الجامدة، فقد تطور مع الزمن واستجاب للرأى العام ولم يجد فى نفسه بأساً من الخضوع للشعب ومراعاة مشاعره ورغباته ومطالبه.

د. نعمـــان جمعــة

صور مقالات د.نعمان جمعة جريدة الوفد"نبضات"من الفترة 1984 إلي 2000

مكتبة الصــور

الاعلام و الفيــديو

نبضــات 1984 إلى 2000